ابو القاسم عبد الكريم القشيري
202
لطائف الإشارات
لما دخلوا على يوسف خاطبوه بذكر الضّرّ ، ومقاساة الجوع والفقر ، ولم يذكروا حديث يوسف عليه السلام ، وما لأجله وجّههم أبوهم . ويقال استلطفوه بقولهم : « مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ » ثم ذكروا بعد ذلك حديث قلة بضاعتهم . ويقال لمّا طالعوا فقرهم نطفوا بقدرهم فقالوا : وجئنا ببضاعة مزجاة - أي رديئة - ولما شاهدوا قدر يوسف سألوا على قدره فقالوا : أوف لنا الكيل . ويقال قالوا كلنا كيلا يليق بفضلك لا بفقرنا ، وبكرمك لا بعدمنا ، ثم تركوا هذا اللسان وقالوا : « وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا » : نزلوا أوضع منزل ؛ كأنهم قالوا : إن لم نستوجب معاملة البيع والشراء فقد استحققنا بذل العطاء ، على وجه المكافأة والجزاء . فإن قيل كيف قالوا وتصدّق علينا وكانوا أنبياء - والأنبياء لا تحل لهم الصدقة ؟ فيقال لم يكونوا بعد أنبياء ، أو لعلّه في شرعهم كانت الصدقة غير محرّمة على الأنبياء . ويقال إنما أرادوا أنّ من ورائنا من تحلّ له الصدقة . قوله جل ذكره : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 89 ] قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ ( 89 ) افتضحوا بحضرة يوسف عليه السلام وقالوا : « فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ » فعرفهم فعلمهم ووقفهم عند أحدهم فقال : هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه ؟ يعنى إنّ من عامل يوسف وأخا ، بمثل معاملتكم فلا ينبغي له أن يتجاسر في الخطاب كتجاسركم . ويقال إن يوسف عليه السلام قال لهم : أنهيتم كلامكم ، وأكثرتم خطابكم ، فما كان في حديثكم إلا ذكر ضرورتكم . . أفلا يخطر ببالكم حديث أخيكم يوسف ؟ ! وذلك في باب العتاب أعظم من كلّ عقوبة